القرطبي

77

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وتأوله بأن قال في آخره : وذلك في أول الإسلام . يريد قبل أن ينزل عليه " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " . قال أبو عمر : وهذا ضعيف ، وفي الحديث نفسه ما يرده ، وذلك أنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل ، فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه . ومما يدل على صحة ما قلناه أن هذا الحديث كان بالمدينة ، ولا يختلف العلماء أن قوله تعالى : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " نزل في سورة " الأنعام " بمكة . ومعنى ( وإنه لفسق ) أي لمعصية عن ابن عباس . والفسق : الخروج . وقد تقدم ( 1 ) . الرابعة - قوله تعالى : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ) أي يوسوسون فيلقون في قلوبهم الجدال بالباطل . روى أبو داود عن ابن عباس في قول : " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم " يقولون : ما ذبح الله فلا تأكلوه ، وما ذبحتم أنتم فكلوه ، فأنزل الله " ولا تأكلوا مما لو يذكر اسم الله عليه " قال عكرمة : عنى بالشياطين في هذه الآية مردة الإنس من مجوس فارس . وقال ابن عباس وعبد الله بن كثير : بل الشياطين الجن ، وكفرة الجن أولياء قريش . وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قيل له : إن المختار يقول : يوحى إلى فقال : صدق ، إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم . ( وقوله : ( 2 ) " ليجادلوكم " . يريد ( قولهم ( 2 ) : ما قتل الله لم تأكلوه وما قتلتموه أكلتموه . والمجادلة : دفع القول على طريق الحجة بالقوة ، مأخوذ من الأجدل ، طائر قوي . وقيل : هو مأخوذ من الجدالة ، وهي الأرض ، فكأنه يغلبه بالحجة يقهره حتى يصير كالمجدول بالأرض . وقيل : هو مأخوذ من الجدل ، وهو شدة القتل ، فكأن كل واحد منهما يفتل حجة صاحبه حتى يقطعها ( 3 ) ، وتكون حقا في نصرة الحق وباطلا في نصرة الباطل . الخامسة - قوله تعالى : ( وإن أطعتموهم ) أي في تحليل الميتة ( إنكم لمشركون ) فدلت الآية على أن من استحل شيئا مما حرم الله تعالى صار به مشركا . وقد حرم الله سبحانه المية نصا ، فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك . قال ابن العربي : إنما يكون المؤمن بطاعة

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 244 . ( 2 ) من ك . ( 3 ) في ك : يعطلها .